البحث
  كل الكلمات
  العبارة كما هي
مجال البحث
بحث في القصائد
بحث في شروح الأبيات
بحث في الشعراء
القصائد
قائمة القصائد
قصائد مسجلة صوتياً
قصائد مختارة
مقالات
مقابلة مع الشاعر محمد بن أحمد السويدي أجراها محمد الرمضاني
2008-09-01



• حدثنا عن المئة مكان في الإمارات:


هو أحد مشاريع إرتياد الآفاق الذي أرعاه والمشروع محاولة لخلق ذاكرة للمكان ولقد بدأ الإعداد له منذ عامين وسينجز قريبا بإذن الله. قمت وفريقي في العمل بإختيار الأمكنة والكتابة عنها ويأتي موقع الخرّان حيث ينام أحد ملوك القريض (ابن ظاهر) ضمن قائمة الأمكنة ولقد كتبت ما يلي:

بعد مغامرة قصصت بها خطى باشو شاعر اليابان الكبير في رحلته إلي شمال اليابان يرصد تفاصيل الحياة اليومية في القرن السابع عشر ويسجل مشاهداته من مقاطعة إلى مقاطعة ومن بلدة إلى بلدة، كالقمر فوق ماتسوشيما إلى صوت الجنادب عند ياماجاتا أو رسوّ القوارب على شواطئ ميشينوجو او دردشة مومسات في غرفة مجاورة له من نزل في إشيجو.
أجدني مغرى بامر ملك عليّ جميع حواسي، ولم يعد لي شاغل يشغلني سوى الإلمام بقامة كبيرة عاصرت شاعر اليابان هذا، أنجبتها أرض الإمارات قبل ثلاثة قرون خلت.
أدرت دفّة قاربي لرأس الخيمة وملأت أشرعته بالريح حيث الشمس المشرقة تومئ اليّ من شواطي جلفار والرمس والندود والدربحانيّة والخور الممتد بين المدينة القديمة والمعيريض.
من العاصمة أبوظبي الى الخرّان ساعات تربو على الثلاث تبعد عن مرقد أحد ملوك القريض الذي ما زالت كؤوسه تدور فيسهر الخلق جرّاها ويختصم.
دلفنا يمنة بعد دخولنا المدينة وسرنا على شارع رئيسيّ بإتجاه الخران ثم آخر فرعيّ وفي مقبرة صغيرة قديمة مسوّرة بدت قبور معضمها بلا شواهد وبضع غافات معمّرة وهناك في الجهة المقابلة للباب الأخضر الصغير وقف شاهدان أشار الصديقان أحمد العسم ووليد الشحّي : ذاك هو القبر.
خلعت نعليّ وسرت مخففا الوطء على أديم الأرض لا تبركا وإحتراما فحسب بل لكي لا يستيقظ النائمون، فهتف في خاطري هاتف:

ونلقى حفرة غبرا المجال
جزى الله من يودّيها السلام

فقلت السلام عليك يا صاحب القبر وسلّم الرفاق.
إنني من هذا المنبر أدعو أدباء وشعراء العرب لزيارة شاعر الإمارات هناك وا لسلام عليه يقينا أنّه سيسرّ بذلك.

• حدثنا عن مشروع المئة رحلة إلى الديار المقدسّة:

لقد تم إنجاز قرابة الخمس عشرة رحلة وهي مهداة إلى روح والدنا الكبير الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله وكانت رحلة العيّاشي الحائزة على جائزة ابن بطّوطة للرحلات المحقّفة باكورة هذا المشروع ولقد تلقتها المحافل الأدبية ومراكز البحث والجمهور باهتمام كبير ويتضمن المشروع على سبيل المثال لا الحصر الرحلات التالية:
رحلة ابن جبير والمكناسي وابن بطوطة والصديق والمدني وسعيد البادي وابن شلبي وناصر خسرو وغيرهم.

• شغلتك الترجمة في الأعوام الأخيرة فهل لك أن تحدثنا عن ذلك؟

شغفت برحلة باشو إلى شمال البلاد (اليابان) التي قام بها في منتصف القرن السابع عشر الميلادي وقمت بترجمة نص الرحلة الكامل من عشرة مصادر متفرقة بالإنجليزية ولقد أصبحت أغبط باشو هذا النص الذي بتّ أعده نصّي وإليك مقدمة الرحلة:

استهلال:

الشهور والأيام رحّالة الأزل
والسنون الذاهبة الآتية على سفر أيضا
أولئك الذين يقلّون أرواحهم في السفن
والذين يهرمون وهم على صهوات الجياد في سفر دائم
كثير من الرجال قضوا في الدروب في سالف الدهر
وأنا أيضا لسنين خلت
سحابة عابرة تسوقها الريح
تثير بي خواطر شتّى عن السفر والترحال
قضيت السنة الماضية أجوب سواحل البحر
وفي الخريف عدت إلى كوخي لأنفظه من خيوط العنكبوت
وها قد آذنت السنة على الختام
عندما هلّ الربيع بسمائه المشّربة بالضباب
فكّرت في اجتياز معبر شيراكاوا ثمّ إلى أوكو
مسكون أنا بأرواح الصابين للتجوال
ولقد عطّلت ربّة السفر عليّ جميع الحواس
الأرواح حارسة الطريق توميء إليّ
فلا اجدني قادرا على الإقامة والعمل
ولشحذ رجليّ للرحلة أحرقت أقلاما من الموكسا على ركبتيّ
بعد هذا لم يعد لي شغل شاغل سوى رؤية القمر فوق ماتسوشيما
بعت بيتي وانتقلت إلى منزل سامبو للإقامة هناك حتّى مستهل الرحلة

وعلى سارية الكوخ علّقت هذه القصيدة:

حتى كوخ القشّ
يتبدّل بحلول مالك جديد
إلى منزل للدمى

المغادرة

كان الفجر ضبابا
وقمر السماء لاح وقد خبا ضوءه
عندما غادرنا في السابع والعشرين من الشهر الثالث
بدت قمّة فوجي باهتة
في وينو وياناكا
تهيّج زهور الكرز أشجاني
أوأراها ثانية؟
في ليلة امس الأول تقاطر الأصدقاء إلى بيت سامبو
عسى أن يصحبوني حصّة من الطريق
وعندما رسونا في سنحو
كانت خواطر الرحلة المرتقبة تثير مشاعري
وقفت على مفترق الطريق كالسادر في حلم
وبكيت الفراق دموعا

يمرّ الربيع
طيور تنوح, وعيون الأسماك
مغرورقة بالدمع

بعد نظم القصيدة الأولى في الرحلة سافرت
ولكنّني تردّدت في المضيّ قدما
فكلّما التفت ورائي
رأيت صفّ الرفاق
يقينا أن عيونهم ستشيّعنا
إلى أن يغيّبنا المدى.

• قمت بترجمة قصيدة لشاعرك الأثير لديك أوفيد، هل لك أن تحدّثنا عن هذه التجربة؟

أنجزت القصيدة في أثناء وجودي في لندن قبل أعوام، وسرعان ما توجّهت إلى روما ثمّ إلى سلمونة شمالا وفي ساحة المدينة حيث يقف النصب قرأت على الشاعر الكبير قصيدته بالعربية فافتر ّثغره عن ابتسامة وقد كتبت في هذه المناسبة ما يلي:

اتجهنا إلى الشرق عبر تلال خضراء ووهاد، أنها جنان إيطاليا, , السحبُ تكلل هامات الجبال، والنسيم ينبعث رقراقاً عبر الخمائل المبثوثة إلى أقصى المدى...
سلمونه، موطن الشاعر أوفيد ومهد صباه، تستقبلنا بعرس جماعي , علمنا سلفاً أن الشاعر قد أعده لنا لنتعرف على الوجوه الصبيحة الذي وصفها في فن الهوى وقصائد حب. قرأت له ترجمتي العربية لقصيدته الخالدة – إخلاص- وإليكم القصيدة:

أنا لا أسأل الإخلاص من إمرأة حسناء
حسبي منك اتقاء الألم
أنا لا ألزمك التحّلي بالعفاف
بل أناشدك التكتم بالأمر
إن إدّعاء إمرأة الطهر لهو الطهر نفسه
ياللجنون
أن تعترف نهارا بآثامك ليلا
وأن تدلي علنا
بما إقترفت سرا
المومس التي توشك أن تضاجع
رجلا من قارعة الطريق
تحكم رتق الباب
فهل ينبغي لمثلك الجهر بمعصيته
لتقيمي على نفسك الدليل
إلزمي الحكمة
وتعلمي محاكاة الفتاة العفيفة
ودعيني أصدّق أنك خيّرة
ولو لم تكوني كذلك
دعي الطيش للفراش
نحّي هناك الفستان جانبا
وليلف الفخذ الفخذ
لتهب الشفة القرمزيّة قبلها
وليعبّد الهوى ألف طريق للرغبة
لتنهمر الكلمات الآسرة والآهات
إلى أن تسري في السرير رعشة لعوب
إخدعيني
واخدعي جميع من حولك
دعيني في جهل من أمري
أمضي في الحياة كساذج سعيد
ما جدوى علمي برسائلك ذاهبة وآتية
ما جدوى مشاهدة أثريكما في السرير
أو فوضى الشعر وتلك فوضى لا يطيقها النوم
بل ما جدوى تلمّس الكدمات في جيدك
وإذا دفعتك الخيلاء
بالفجور على مرأى مني ومسمع
فارحميني وارحمي سمعتك
أجنّ وأموت عندما تجهرين بالخطيئة
أنضح عرقا من الرأس إلى القدم
حينها أحبك وأقلاك
وبلا جدوى
أتمنى زوالي وزوالك
أما وقد جنحت للكتمان فلن أتحرّى ولن أراقب
سأسدي الشكر للمكر والخديعة
وحتّى لو وقعت على الحقيقة
ورأيت فعلك الفاحشة بأم عيني
ستنكر العين ما رأت عيانا
ستنالين نصرا سهلا
من امرئ ينشد الخسارة
ولكن تذّكري شيئا واحدا فقط
قولي لم أفعل
ولأنك ستحرزين قصب النصر بجملة قصيرة كهذه
أحرزيه على عاتق القاضي
إن لم تكن القضيّة.

• قلت لي أيها الإماراتي أنك فككت في أسيسي سرّ لغز ظلّ عصيّا على الحل أكثر من قرنين لشاعر ألمانيا الكبير جوته، هل لك أن تحدّثنا بذلك؟

هكذا جاء الإلهام ولعله هيام الشعراء! قلت في المدينة التي يرقد فيها القديس فرانسيس وهي أهم مدينة مقدّسة في إيطاليا بعد الفاتيكان:

كان جوته قد إنتهى من لجاج مع زعران من بيروجيا ظنّوا أنه جاسوس وعندما ولّوا قافلين كتب يقول: تابعتهم بناظري: هنا، في مقدمة المشهد، يسير اربعة زعران، ووراءهم في المؤخرة، معبد منيرفا يطل عليّ في حنان، كما لو ان منيرفا نفسها تريد مواساتي. التفت ببصري الى كاتدرائية القديس فرانسيس الواقعة الى يساري، وهممت بالسير في سبيلي، حين انفصل رجل اعزل عن جماعة الاربعة، وعاد ادراجه ليقترب مني في شيء من المودة. وقال "عزيزي ايها الاجنبي، يجب عليك على الاقل ان تعطيني بقشيشاً، لأنني اؤكد لك انني عرفت للتو بانك انسان شريف، وقد اقنعت اصحابي بذلك، لكنهم حادو الطباع، سريعو الغضب، لا يعرفون ما في الدنيا. ولابد انك لاحظت انني كنت اول من رحب بكلماتك، وأيدك في اقوالك." اثنيت عليه موقفه، ودعوته الى ان يعمل في المستقبل على حماية أي غريب قد يفد الى أسيسي بدافع الدين أو الفن، خصوصا ان كان معمارياً يروم اخذ قياسات معبد منيرفا ورسم مخطط عنه، فصورة هذا المعبد لم تحظ بتخطيط أو حفر على الخشب. وقلت ان مثل هؤلاء الزوار الاجانب سوف يكللون هامات البلدة بالمجد، وانه لو قدم لهم يد العون، فانهم لابدّ وان يعبروا له عن امتنانهم، وعند هذه الكلمات وضعت في يده بضع قطع نقود فضية، اثارت سروره، لأنها فاقت كل ما يتوقع. رجاني ان اعود لزيارة اسيسي قريباً؛ اذ لا يجوز لي مهما كان السبب ان أفوّت على نفسي فرصة وليمة القديس، الحافلة بالتبجيل والتسلية. وقال ايضا، لو ان رجلاً بهي الطلعة مثلي يود الاختلاء بأنثى حلوة، فان معظم النساء الجميلات، المحترمات في اسيسي سيبدين الاستعداد لاستقبالي بتوصية منه. واستأذن بالانصراف بعد ان وعدني وعداً جاداً انه سيذكرني هذا المساء في دعائه عند ضريح القديس، وان يتضرع في صلاته داعياً لي بالتوفيق في رحلتي. وهكذا افترقنا، وزال الكرب بعودتي الى الوحدة مع الطبيعة والاختلاء الى نفسي. ان الطريق الموصل الى فولينو، الذي يمضي بمحاذاة الجبل ويطل على الوادي، طريق جميل، وان سيري على هذا الدرب الذي استغرق نحو اربع ساعات، هو من اجمل النزهات الساحرة في حياتي كلها. هنا استوقفت الشاعر الكبير قليلا وسألته التريّث قبل أن يواصل سرد حديثه عن المعبد ورحت أقطع الطريق الموصل الى فولينو الذي قطعه، دون أن أجد لهذا الطريق جمالا وسحرا إستثنائيا يدعوان إلى هذا الثناء المفرط الذي يجعل نزهة الشاعر أجمل النزهات الساحرة في حياته كلها. ورحت أحدث النفس عن أحجية بثّها بين سطور رحلته إلى إيطاليا، ظلّت عصية على الفهم إلى يومنا هذا، أحجية تبعث في نفسي شيئا من التساؤل فيما إذا كان الرجل الأعزل قد برّ بعرضه أو أن منيرفا نفسها قد نزلت من عليائها لترافق شاعر العذراء حصّة من ذلك الطريق.

• سؤال شخصيّ: يؤخذ على البعض من الأدباء تبوؤهم بروجا عاجيّة في منأى عن هموم الشارع وهموم الناس، ما رأيك في ذلك؟

قل لي بربك من هو العقل الذي ابتدع هذا المصطلح المقدود من حجر (حجر وتحتها خطّين) هل يؤخذ على الموسر أن يسكن قصرا بينما يسكن المعسر كوخه! لماذا نثور على الفيلسوف والشاعر ونصمت عن الأثرياء والموسرين؟ سأريك بدوري القصور والفلل الفارهة والأكواخ فهلّا أريتني يا صديقي هذه البروج.

• هل ما زال محمد السويدي مشغولا بالشعر أو انه انصرف إلى مشاريعه العّامة؟

ما زالت ربّة الشعر ( عروس الإلهام ) حانية، تملي عليّ بعض ما تيّسر من الشعر، إليك بعضه:

سجّادة صلاة

أطعمتني سكّر
أحلى من السكّر
وهمست في إذني
باسرار وحكايات
وقلت لي يا محمد هات
بفنك إرسمني
لملمت لجل عيونك الحلوات
آيات
في مسبحة أبيات
وإن جيت أقراها
قاطعتني ابكلمات
نظمتها بفنك
الله محلاها
وخذتني غنوه ألم آهات
بالله رجّعني
ومدري الكلام اللي بدا مني
كلمه تميمه صادقه أبيات
مزجتها من خاطري بعبرات
ونسجتها للروح
سجّادة صلاة
مطرّزه من فنك وفني

شامه

تجيبك الأحلام إن ضنّت أيّامه
وان رقّت الأنسام يلقاك قدّامه
قلب المولّع هام ويا مصعب هيامه
تباركت لقدام قادتك لخيامه
الناس لك خدّام وللحسن خدّامه
بك يحتفون قيام بقلوب بسّامه
من علّم الأيام تاخذك رسّامه
لعيونها أحلام ولخدّها شامه

مسا النخيل

مسا القمر في صفحة البحر فضّه
مسا الخدود برقّة الورد بضّه

مسا النخيل يلفّ خلي وداره
مسا المقام اللّي أقبل جداره

مسا غرام الليل يا طيب طيبي
مسا القميص اللا ّزورد وحبيبي

مسا عيونك والهدب والليالي
مسا الشفاه وريقها واللآلي

مسا النجوم الساطعات السهارى
مسا أحاديث القلوب السكارى

مسا الخزاما والحبق والشقايق
مسا الثواني بيننا والدقايق

مسا القمر في صفحة البحر فضّه
مسا القدود بريحة الفلّ غضّه

عباءة الليل (مقطع)

تارة أحسبك نايا فيغني الفم للفم أغنية قصب السكر
وتارة أضمك عودا
أدوزنك على دقات القلب
لأبعثك يمامة على مقام الرصد والحجاز والكرد والنهوند
تنتصبين كمئذنة،
شامخة كجبل لبنان
بقد عكف عليه إزميل الله حينا من الدهر
بعشق حتى فلّ الإزميل.

تارا تحلّ جدائلها

العاصفة تمطر نارا من السماء
وظلال إمرأتين تتسللاّن كالسر يكتمه الليل
تلك التي تطيب لك خشونة أخلاقها ومرحها
فكأنهما التوابل في الطعام
وأنت الماضية كأفروديت يسّاقط دمعها
ندى نديّا
رأيتك ايّتها الربّة فآمنت.
آمنت بعالمك المنبعث من عدم
وجمالك الصارخ في عينيّ
أنا الأزليّ الوجود
المرآة تهمس وتقول
طوبى للذين لم يروا وآمنوا
أقطف الليلك والنرجس من نهدين
جبلا من حليب الآلهة
وأضمّ الجسد ككيمونو حريريّ
نظمه مغزل هارا عند مفترق قرن
تمضين أيتها السكوب
كديمة سمحة القياد
فأضع أرديتي الزعفرانيّة
وأخرج كناسك
آيتي أن لا أكلّم الناس.

• شغلك أبو الطيب المتنبي وزمنه كثيرا فقمت بكتابة عمل أسميته يوميّات دير العاقول، هل لك أن تحدثنا عن هذا العمل وما يرمي إليه؟

شغلني المتنبي وزمنه على مدى عقدين من الزمان أو أكثر، وأعد نفسي من المولعين به وبأدبه، وبشكل عام بالمعرفة التي أنتجها عصره، ذلك العصر الذي رسخ في أذهاننا باعتباره العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
حينما بدأت العمل على مشروع "يوميات دير العاقول" (التي أصفها بأنها حالة مباغتة انتابتني فشرعت في تدوينها) عندما بدأت في هذا العمل كان الدافع المنطقي الوحيد الذي أستطيع تلمسه وسط خليط المشاعر والأفكار التي انتابتني، هو أنني أرغب في إعادة النظر في هذا الكم من المسلمات والأفكار الثابتة التي ارتبطت بتلك الفترة من الزمن.
هناك عدة قناعات مسبقة ارتبطت بالمتنبي وزمنه، رأيت أنه من الضروري أن أختبر مدى حقيقتها من خلال الإطلاع على تفاصيل ذلك العصر بما في ذلك الحياة الاجتماعية، آدابه وفنونه وعلومه، كنت أرغب في الوقوف على كنه تلك الأنا المتضخمة التي عُرف بها المتنبي مثلاً، وكذلك فكرة أدب الاستجداء الذي نسب إليه، كما أردت أن أزيل التباسي فيما يخص الخطاب العروبي في شعره، كنت أتساءل عما إذا كان المتنبي بالفعل هو ضمير الأمة العربية في ذلك الزمن؟ تساؤلات عدّة سكنتني حول شخص الرجل الكوفي المولد، إلى جانب الرغبة في التعرف إلى حال السلطة والمجتمع في ذلك العصر وما شغله من قضايا فكرية وحياتيّة.
هكذا بدأت العمل، ولكن ما إن أخذ النسيج في التشكّل، وبدأت الصور تتضح من خلال البحث والقراءة ومقارنة الروايات من المصادر والمراجع المختلفة، بدأت أكتشف كنه تلك النداءات الداخلية التي كانت تقودني نحو البحث، لم يعد الأمر مرتبطاً بالمتنبي أو حتى بعصره، وشعرت كأنني أشبه بمن كان يبحث عن ضالّته فوقع على ضالّة أخرى، لقد تكشفت لي حقائق عدة رأيت أنها جديرة بالبحث والاهتمام، كما أنها كانت كفيلة بتعديل مجرى العمل.
هل لنا أن نتعرف على ملامح بعض تلك الحقائق التي تكّشفت لك عبر بحثك عن غيرها؟
لم أصل إلى الغاية النهائية بعد، فما زلت أفتش في الكومة، أو أجلو المرآة أكثر فأكثر، ولكن حتى لحظتنا هذه يبدو لي التالي: أننا وبعد مرور هذه السنين المديدة لم نتطور كثيراً عن الحالة التي تركنا عليها أبو الطيب المتنبي، ويبدو لي أن الأنا المتضخمة التي يوصم بها المتنبي وتؤخذ عليه، ما زالت ماثلة بإلحاح لدى أدباء اليوم صغارهم وكبارهم إذا صح التعبير، وإذا كان المتنبي قد جهر بأناه علانية بلغة رفيعة "علوية" فإن "أنا" أدباء اليوم خفية، كامنة كالمرض النفسي، وذلك لطبيعة العصر الذي نعيشه، وطبيعة الشعراء الذين يعيشونها.
يبدو لي كذلك أن (أنا) المتنبي هي تلبية لرغبات مجتمع مقهور يعيش الناس فيه على فكرة وجود البطل، والغريب أن هذه الأمة بعد ما يزيد عن ألف سنة ما زالت تبحث عن أبطال، في زمن كثر فيه كلّ شيء ما عدا البطل، وصار أبطاله ممن ينطبق عليهم قول المتنبي نفسه:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
أو مقولة بريخت: "بئس أمة تفتقر إلى بطل، وبئس أمة تفتش عنه".
بدا لي أيضاً خلال البحث أن القوانين التي حكمت عصر المتنبي ما زالت تحكم عصرنا رغم كل ما ندعيه من تطور وحضارة، لقد كانت الفتنة الطائفية والمذهبيّة في ذلك الزمان فتنة وقودها الناس، ولا زالت في عالمنا العربي تتغذى بنا كل يوم، لم يجد جديد سوى أن وسائل التدمير أصبحت أشرس، وكأن القرن الحادي والعشرين مرآة للقرن العاشر إلا أنها مرآة مكبرة تعكس كل السلبيات وما زال الخطاب الديني المتطرف والسياسي المتطرف يحكمان مصير شعوب بأسرها، ولا زالت القيادات التي حكمت القرن العاشر فقمعت وقهرت وقتلت وعذبت موجودة في غير مكان من أرض العرب في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وكأن أحداً لم يسمع عن مفاهيم الديمقراطية منذ الإغريق وصولاً إلى عصر فولتير، وجان جاك روسو، وغيرهما من مفكري عصر التنوير.
لا زالت مجتمعاتنا تعيش حالة الطائفية والمذهبيّة والتفرق، وتخضع لأوهام الغيب (المجهول) والسحر والشعوذة والرقص والطرب على مشاهد المحن والأحزان والدمار التي تطالعنا كل يوم، تشهد على ذلك فضائياتنا المكرسة لذلك والتي تزداد عدداً ويزداد مشاهدوها يوما عن يوم، وهو أمر يشهد على رجوعنا القهقرى في الزمان.
ما زال المبدع العربي إما موظفاً لدى السلطة، أو لدى المؤسسة الخاصة وهو امتداد للجداية التي وصموا بها الشاعر والأديب في زمان المتنبي، أو فقيراً لا يجد ما يقيم أوده، ألم يكن الأمر كذلك في ذلك العصر؟ أرجو أن لا نكون قساة على زمان أظنه كان أفضل حالاً من زماننا، لأنه قدم للعالم ما لم نستطعه بعد ذلك.

قال المتنبي في شكوى زمانه:
أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرّهم واتيناه على الهرم

و جاء بعد ذلك آخر فقال:
لا غرو إن لم نجد في الدّهر مخترفاً فقد أتيناه بعد الشّيب والخرف
فماذا تراني أقول عن زماننا اليوم!!!!

• وإلى أي حد ترى أن هذه الرؤية سوف تؤثر على مشروعك لتدوين يوميات المتنبي؟
أول ما تغير هو آلية البحث، كنت أدقق في تفاصيل صورة العصر كما عاشه المتنبي في محاولة لإعادة قراءته بموضوعية، إلى أن تجلت لي تلك الحقيقة التي روعتني، ذلك العصر الذي عاشه هذا الشاعر، بما ساده من ترد وتقلب أحوال، وغياب لمنطق الأمور، وتسلط وبطش وسفك دماء وظلم وإشاعة خوف وإرهاب، هو هو ما نعيشه اليوم.
ما تغير أيضاً هو المنهج الذي أعمل به، فقد امتلكت -من طول اهتمامي وبحثي في ذلك العصر – حساسية خاصة في الربط بين الروايات وتتبعها، وقدرة على تفهم دوافع الاختلافات الكبيرة بين الرواة والمؤرخين الذين كان بعضهم محكوماً بانتماءاته أو بخوفه أو بطمعه أحياناً، هناك قصص يرد ذكرها في أكثر من مصدر وهي حكايات يومية بمعنى أنها تحدث كل يوم وليست مصدر اختلاف كبير، وهناك أحداث تاريخية تُروى بعدة أشكال رغم تشابه المضمون، مثل مأساة الحلاّج مثلاً، وهناك أمور خلافية تماماً لا يتفق عليها اثنان، وبدوري لا أستطيع الجزم فيها، وإن كنت أتفهم ما وراء كل رواية من تلك الروايات.
خرجت من هذا كله بخلاصة قد تبدو غريبة، إلا أنها شكّلت قناعة لدي من خلال التتبع الدقيق لمجرى التاريخ ورواياته، ومن خلال محاولاتي ضبط حركة دخول وخروج الشخصيات على مسرح اليوميات، وهي أن الفائز الأكبر في ذلك العصر لم يكن الشعراء ولا الأدباء ولا حتى الملوك والسلاطين، بل المغامرين والعبيد، والغلمان والجواري، وعلى رأسهم التجّار، ويبدو أن الطائفة الأخيرة هم الفائزون في كل عصر، وأنهم هم من يحركون الأحداث دائماً من وراء الستار، أليس الاقتصاد اليوم هو الحاكم الأهم في عصرنا أيضاً وهو المحرك الأول لكل الحروب والصراعات؟ ومن المفكرين من بنى فلسفة التاريخ على الإنتاج الإقتصادي والإستهلاك ووضعه في مقدّمة العوامل للثورات والحروب.

• ولكن بعد هذا التحول، هل ما زال تاريخ المتنبي صالحاً ليكون حاملاً لكل هذه الأفكار التي تتحدث عنها؟
المتنبي ليس راوية بالمعنى التقليدي للكلمة، لقد وضعت على لسانه كل هذه الحكايات، وحرصت على تتبعها في مصادرها وتحري الدقة إلى أقصى قدر ممكن، والأساس في هذا العمل هو (التشكيل)، لأنني أهدف إلى إعادة فك وتركيب ذاك العصر ليصل إليك في مشهديّة تضجّ بالصخب والحياة والناس والأحلام ، إنني أعمل على اليوميات كما يعمل موسيقي على مقطوعته، ربما أعيد رواية القصة أكثر من مرة في أكثر من موضع بأكثر من شكل كلحن يتردد في العمل الموسيقي بين آنة وأخرى.
لقد بدأت هذا العمل وأنا مرتاح البال، إلا أنني خلال إنجازه وجدت أن الكثير من أوجاعنا ما هي إلا استمرار للحالة التي كنا فيها، وفي ذلك قلب للفكرة التي كان يتم التكريس لها، وهي أن زمان المتنبي كان هو العصر الذهبي، نعم كانت اللغة العربية التي تحدث بها المتنبي متقدمة، كما أنتج العصر الكثير من العلماء والأدباء، إلا أن الكثير من العنف والإستبداد والحروب الطائفية والمذهبيّة والشعوذات والخرافات كانت سائدة، واليوميّات تزخر بكثير من الأمثلة.

• هل تأثر الشكل الفني لليوميات بما انتابك من تغير أو لنقل من تطوّر على الصعيد الفكري؟
تغير البناء حيث لم يعد المتنبي هو البطل، اللهم إلا ما يتعلق بشعره أو الأحداث التي شارك فيها، ليتحول إلى شخصية تكاد تكون في عمق المسرح وليس في واجهته، لأنه لم يترك مأثرة سوى الشعر، بينما العمل آخذ في الاتساع والتعمق بحيث أصبح الشعر هامشاً من هوامشه، لتطغى عليه فكرة البحث عن ملامح أمة ممتحنة أو مبتلاة أمّة في صراع داخليّ ومع صراع خارجيّ كذلك، تمثل كما تراءى لي نواة لما نحن عليه اليوم. وأنا أجتهد قدر طاقتي وأنا استكمل هذا العمل أن لا أكون متحيزاً لشيء سوى للإنسان وللسلام وللحقيقة وللصدق في تحري قراءة التاريخ بموضوعية وحيادية قد تساعد في فهمي لمستقبلي ومستقبل الإنسان العربي.

• ولكن يظل السؤال معلقاُ: لماذا المتنبي؟ أو لماذا كان رغم ما يثيره من جدل وما يحظي به من اتهامات؟
الأمم الناطقة بالإنجليزية مازالت تعيد اكتشاف شكسبير، وكذلك الشأن مع الألمان وجوته، والهند وطاغور، والأسبان ولوركا، وغيرهم، أليس المتنبي جديراً ببعض هذا الاهتمام.
ولأن المتنبي سيظل حياً بشعره مهما اختلفنا معه أو حوله، فلا أجد رداً على تساؤلك سوى اقتباس ما قاله أوفيد في خاتمة رائعته "التحولات" مخاطباً جوبيتر،: يقول أوفيد:

"أتممتُ الآن عملاً
ليس بمقدور جوبيتر هدمه،
لا اللّهب، ولا الحديد، ولا الزّمن الذي لا يشبع.
فليأتِ اليومُ المحتوم متى شاء،
لن يكون له حقوق إلاّ على جسدي،
فليضعْ حدّاً لمجرى حياتي الغامض:
الجزءُ الأنبل فيّ سينطلق، خالداً،
سيسمو على الكواكب،
وسيكون اسمي عصيّاً على الفناء.
وأينما توغّلَت روما،
بعيداً في الأرض التي تسودها،
سوف تقرؤني الشعوب،
أنا الذائع الصّيت.
ولئن صدق حدسُ الشّعراء،
سأحيا على مدى الزمان".

• كيف ترى إلى النجاح الذي حققه المركز العربي لارتياد الآفاق، وجائزته (ابن بطوطة للأدب الجغرافي) بعد مرور أكثر من خمس سنوات من العمل؟
لا أبالغ إن قلت إن مشروع "ارتياد الآفاق" قد نجح خلال سنواته البسيطة في أن يطرح نفسه عالمياً كأحد أبرز المشاريع الفكرية الحضارية في المشهد الثقافي العربي المعاصر، وهو ليس تقييماً ذاتياً، بل هي شهادات وردت على ألسنة وبأقلام مفكرين ومثقفين عرب وأجانب لهم وزنهم وفي أكبر الصحف العربية والعالمية.
وأقول دائماً إن الدور الذي يقوم به "المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق" ربما يكون هو الرهان الوحيد الذي ينبغي أن يلقى من العرب كل الدعم، خاصة في ظل التطورات الدراماتيكية التي يشهدها العالم، والتي تنعكس سلباً على علاقة العرب والمسلمين بالجغرافيات والثقافات الأخرى، والتي يستغلها البعض لصالح تحقيق مصالحهم الخاصة.
ما نقوم به في ارتياد الآفاق هو محاولة ردم تلك الفجوة المعرفية التي تسمح بهذا النوع من الاستغلال، والحقيقة أن هذه الفجوة ليست فقط في معرفة الآخر بنا، بل في معرفتنا نحن بذاتنا، والطريقة التي نتعاطى بها مع هذه الذات أولاً، ومع الآخر ثانياً.
ما نفخر بأننا أنجزناه خلال الفترة القصيرة من عمر مشروع ارتياد الآفاق، هو أننا أولاً أعدنا طرح هذه الفكرة الغائبة أو المغيبة لتكون محل بحث واهتمام كما ينبغي لها أن تكون. كما أننا أنشأنا أول مكتبة جغرافية تليق بأدب الرحلة العربي، وهي تضم الآن مجموعة رائعة ونادرة من المؤلفات في عدد من المجالات والتخصصات، وهي تزداد وتتسع، وتشهد ميلاد سلاسل جديدة كلما اتسعت حلقة المعرفة: الرحلة الحديثة، المخطوطات الكلاسيكية المحققة، شرق الغربيين، الرحلات الشرقية، دراسات في الأدب الجغرافي، رحلات الحج التي نفتخر بإهدائها إلى الوالد الشيخ زايد رحمة الله عليه، وهناك العديد من الفروع والتخصصات الجديدة التي سوف ترى النور قريبا.
من ناحية أخرى استطعنا أن نجعل من المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق) قِبلة الباحثين والأكاديميين في الجامعات العربية والدولية من المعنيين بهذا الأمر، وهو الآن يضم مكتبة تربو على المائة كتاب في أدب الرحلة ثلاثون منها حاز على جائزة ابن بطّوطة وأكثر من 250 باحثاً وأكاديمياً ورحالة وكاتباً ضمن أسرة تكبر يومياً.

• وإلى أي حد تعتقد أن "ارتياد الآفاق" قد حقق ما رسمتموه له من أهداف، وماذا يحمل المستقبل بشأن هذا المشروع الطموح؟
بصورة عامة، لقد نجحت ارتياد الآفاق في تحقيق أهداف مرحلتها الأولى كما رسمناها لها بدقة.
ونحن الآن نخطو خطوتنا التالية، باتجاه الآخر، ومن خلال مركزنا الأوربي الذي قمنا بتدشينه في لندن مؤخراً، تسعى "ارتياد الآفاق" الآن إلى التعريف بالمشروع على مستوى النخب العربية المهاجرة، وكذلك التعريف به في الأوساط الأكاديمية العالمية، كما أن مشروعاً طموحاً يتم العمل فيه الآن لاختيار بعض المؤلفات التي حققناها ونشرناها بالعربية لترجمتها ونشرها بالإنكليزية ولغات أوروبية أخرى، في إطار مشروع كبير قيد التطوير الآن، يستهدف ترجمة كامل منجز المشروع إلى اللغات الأهم في العالم، وسوف نبدأ بالإنجليزية والفرنسية والألمانية ولن نغفل بقية اللغات الحية، إضافة إلى أننا بصدد تطوير موقع إليكتروني خاص بالمشروع سوف يتضمن كافة الإصدارات باللغة العربية أولاً، ثم لغات أخرى.
فمشروعنا الذي من ضمن أهدافه كشف تراث حوارنا مع الآخر سوف يقوم بتطوير آلياته من أجل الوصول إلى هذا الآخر، وفي اعتقادي أن أدب الرحلة هو أبقى أنواع الأدب والفنون وأكثرها قدرة على الحضور وعبور الزمن، فهو فن جامع للفنون كلها بما فيها السينما، وهو فن تتخاطب من خلاله البشرية بأزهى ما في خطاباتها من نوازع وميول إنسانية عميقة، ومن حب لمعرفة الآخر، والاغتناء بغناه الحضاري، والتواصل معه على أرض الفكرة الواحدة والأفكار المختلفة.

• ختاما كونك أديبا وصاحب تجربة ما رأيك في الفورة الثقافية والفكرية التي يقودها سموّ الشيخ محمد بن زايد؟
أتابع البرامج المختلفة التي يشرف عليها سموّ الشيخ محمد بن زايد في بناء الدولة عموما وهي برامج عظيمة وطموحة أشبه بجدارية عملاقة تتضح ملامحها يوما بعد يوم. وأما البرامج الثقافية والفكرية فإنه يغدق عليها بالمال والوقت كذلك فهو ماثل متواجد في الفعل الثقافي نفسه، وهذا ما سيضاعف شعور المشرفين بالمسؤلية والأدباء والمفكرين بالثقة، ولن يخطؤني اليقين بأن ما سيتحقق من الإنجازات في مختلف الميادين التي يرعاها سموّه ستجعل من الإمارات عموما وأبوظبي خصوصا إحدى أهم عواصم العالم.



جميع الحقوق محفوظة © 2006-2014 - القرية الألكترونية في أبو ظبي www.evuae.com